الآلوسي
223
تفسير الآلوسي
قد يقتضيها كلامه على ما يفهم من بعض الروايات ، وفسر بعضهم الثاني بعبد الله ودعواه ذلك على سبيل الترديد ، فقد روي أن عبد الله بن سعد كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فكتب له شيئاً فلما نزلت الآية في المؤمنين * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) * ( المؤمنون : 12 ) أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله سبحانه * ( ثم أنشأناه خلقاً آخر ) * عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال : * ( تبارك الله أحسن الخالقين ) * ( المؤمنون : 14 ) فقال رسول الله : هكذا أنزلت عليَّ فشك حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقاً لقد أوحيَّ إليَّ ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال ، وجعل الشق الثاني في معنى دعوى القدرة على المثل فيصح تفسير الثاني والثالث به لا يصح إلا إذا اعتبر عنوان الصلة في الأخير من باب المماشاة مثلاً كما لا يخفى . واعتبر الإمام عموم افتراء الكذب على الله تعالى وجعل المعطوف عليه نوعاً من الأشياء التي وصفت بكونها افتراء ثم قال : والفرق بين هذا القول وما قبله أن في الأول : كان يدعي أنه أوحي إليه فيما يكذب به ولم ينكر نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وفي الثاني : أثبت الوحي لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام فكان جمعاً بين أمرين عظيمين من الكذب إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود انتهى . وفيه عدول عن الظاهر حيث جعل ضمير * ( إليه ) * راجعاً للنبي صلى الله عليه وسلم والواو في * ( ولم يوح ) * للعطف والمتعاطفان مقول القول والمنساق للذهن جعل الضمير لمن والواو للحال وما بعدها من كلامه سبحانه وتعالى ، وربما يقال لو قطع النظر عن سبب النزول : إن المراد بمن افترى على الله كذباً من أشرك بالله تعالى أحداً يحمل افتراء الكذب على أعظم أفراده ، وهو الشك وكثير من الآيات يصدح بهذا المعنى وبمن قال : * ( أوحى إلي ) * والحال لم يوح إليه مدعي النبوة كاذباً وبمن قال : * ( سأنزل مثل ما أنزل الله ) * الطاعن في نبوة النبي عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل : من أظلم ممن أشرك بالله عز وجل أو ادعى النبوة كاذباً أو طعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الجملة الاستفهامية فتذكر وتدبر . * ( وَلَوْ تَرَى ) * أي تبصر ، ومفعوله محذوف لدلالة الظرف في قوله تعالى * ( إذ الظَّالمُونَ ) * عليه ثم لما حذف أقيم الظرف مقامه والأصل لو ترى الظالمين إذ هم ، و * ( إذ ) * ظرف لترى و * ( الظالمون ) * مبتدأ ، وقوله تعالى * ( في غَمَرَات الْمَوْت ) * خبره و ( إذ ) ظرف لترى ، وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر ، وقيل : المفعول * ( إذ ) * والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه ، وجواب الشرط محذوف أي لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً ، والمراد بالظالمين ما يشمل الأنواع الثلاثة من الافتراء والقولين الأخيرين ، والغمرة كما قال الشهاب في الأصل : المرة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة . ومنه قول المتنبي : وتسعدني في غمرة بعد غمرة * سبوح لها منها عليها شواهد والمراد هنا سكرات الموت كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . * ( وَالْمَلاَئكَةُ ) * الذين يقبضون أرواحهم وهم أعوان ملك الموت * ( بَاسطُواْ أَيْديهمْ ) * أي بالعذاب ، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم قائلين لهم * ( أَخْرجُوا أَنْفُسَكُمُ ) * أي خلصوها مما أنتم فيه من العذاب ، والأمر للتوبيخ والتعجيز ، وذهب بعضهم أن هذا تمثيل لفعل الملائكة في